«لا ناقة لي فيها ولا
جمل.»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يُعد هذا المثل من أرقّ الأمثال
العربية وأشدّها دلالة على الحياد التام، فهو تعبير موجز عن النأي بالنفس عن
صراعات لا طائل منها.
خرجت هذه الكلمات من فم الحارث بن
عباد، الفارس الحكيم من سادات بكر بن وائل. في زمنٍ كانت نيران حرب البسوس تلتهم
الأخضر واليابس بين قبيلتي بكر وتغلب بسبب ناقة البسوس التي قتلت كليبًا. نظر
الحارث برؤيته الثاقبة إلى تلك الحرب، فرأى أنها لم تُقم على شرفٍ عظيم أو دفاعٍ
عن أرض، بل على ضغائن وفتنة بدأت بناقة. وحين طُلب منه المشاركة، قال قوله المأثور
ليؤكد أن أسباب الحرب ونتائجها لا تعنيه؛ فلا هو اشترك في الظلم، ولا أراد نصيبًا
من الغنيمة أو الثأر.
في العقلية العربية القديمة، كانت
الناقة والجمل يمثلان عصب الحياة، والثروة، والجاه:
الناقة: ترمز هنا إلى سبب الفتنة (ناقة
البسوس).
الجمل: يرمز إلى المكسب أو الغنيمة
التي قد يجنيها المرء من الصراع.
وبقوله "لا ناقة لي فيها ولا
جمل" أعلن الحارث براءة ذمته؛ فلا هو سبب المشكلة (الناقة)، ولا هو طامع في
مغانم الحرب (الجمل).
يحمل المثل قيمة أخلاقية رفيعة؛ فهو
يُستخدم للتنصل من المشاركة في الإثم، وإعلان أن المرء لا يريد أن تتلطخ يداه بظلم
لم يقترفه. إنه فلسفة الاعتزال الإيجابي، حيث يُدرك الحكيم أن ليس كل صراع يستحق
الخوض، وأن الانسحاب من الفتن التي لا مصلحة عامة فيها هو قمة الحكمة.
ويجسد المثل براعة العرب في الإيجاز؛
فبدلًا من شرح طويل عن عدم العلاقة بالموضوع، جاءت هذه العبارة القصيرة فاصلةً
حاسمة بين الشخص وبين الصراع القائم.
ومع مرور الزمن، انتقل المثل من سياق
الحروب والجمال إلى سياق الحياة اليومية، فأصبح يُضرب في كل موقف يُدعى فيه المرء
للتدخل في أمر لا يعنيه: سواء عند طلب الانحياز لطرف ضد آخر في موضوع تافه، أو
للتنصل من مسؤولية خطأ لم يرتكبه، أو لرفض الدخول في صراعات إدارية جانبية. إنه
شعار الحكيم الذي يشتري راحة باله، ويؤثر السلامة على الدخول في معارك خاسرة
أخلاقيًا أو ماديًا.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...
.jpg)
0 تعليقات