«الْفَايتَة وَالْهَايتَة مَا يَنْحَكِي فِيهَا»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


في ميزان القضاء الشعبي والبدوي، هناك قضايا تُعَدُّ "خطوطًا حمراء" تُحشَد لها العزائم، وهناك قضايا أخرى يُفضِّل العُرف إغلاق ملفاتها بأسرع وقت وأقل ضجيج. ويأتي مثل "الْفَايتَة وَالْهَايتَة مَا يَنْحَكِي فِيهَا" كقاعدة ذهبية لفرز القضايا التي يجب تجاوزها حفاظًا على السِّلم الاجتماعي.

الْفَايتَة (قَضَايَا الْقَتْلِ الْخَطَأ):

اشتُق الاسم من "الفوات"، وهو الأمر الذي وقع دون قصد أو تدبير. في العُرف، يُعتبر القتل الخطأ مصيبة نزلت بالطرفين، الجاني والمجني عليه. ولأنَّ "النيّة" مفقودة، فإن إطالة النقاش والجدال فيها لا تُعيد ميتًا، بل قد تفتح أبوابًا للثأر والفتنة. لذا، تُحلُّ سريعًا بالدية والصلح

الْهَايتَة (الْمَرْأَةُ مَعْلُومَةُ الْفَسَاد):

هي المرأة التي اشتهرت بفساد أخلاقها وخرجت عن أعراف الستر والحياء بمحض إرادتها. في قضايا العرض، يتشدّد البدوي إلى أقصى حد إذا كان الاعتداء على "مستورة" أو "عفيفة"، أمّا "الهايتة" فيرى القضاء أن إطالة الحديث في شأنها هو هدرٌ للوقت وتلويثٌ للمجالس، لذا تُغلق قضيتها بأقل الأحكام والاعتبارات.

قولهم "مَا يَنْحَكِي فِيهَا" لا يعني تجاهل الحقوق، بل يعني "عدم المماطلة والتعقيد"، وذلك لعدّة أسباب. في "الفايتة"، الهدف هو وأد الفتنة قبل أن تتحوّل إلى قتل عمد أو ثأر متبادل بسبب حادث عرضي. وفي "الهايتة"، الترفّع عن الخوض في التفاصيل هو صونٌ لسمعة المجلس والحاضرين، فالمجتمع لا يمنح "الفاسدة" شرف النزاع الطويل الذي يُمنح لغيرها.

يوجّه هذا المثل الأنظار إلى الجرائم الحقيقية التي تستحق "الحكي" والتدقيق، وهي جرائم العمد والاعتداء على الأعراض المصونة؛ فهنا يضع البدوي كل ثقله وتشدّده. ويضمن أنَّ القضاء العُرفي يظلّ حازمًا في مواضع الحق، ومرنًا في مواضع القدر، ومترفعًا في مواضع الهوان.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...