«قْرَاهَا مِنْ لِحَاهُمْ»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


في المجالس التي تُعقد لفضّ النزاعات (الطلابات)، يجتمع الخصوم وأتباعهم عند القاضي، وهنا تبرز مسألة "القِرى" أو الضيافة. ولأنَّ هذه الجلسات قد تطول وتتطلب نفقات، وضع العرف هذا المثل ليُنظّم ميزانية الجلسة بوضوح.

القِرَى: هو ما يُقدَّم للضيف من طعام وإكرام.

الرِّزْقَة: هي المبلغ المالي الذي يدفعه المتقاضون للقاضي كتكاليف للقضاء وأتعاب للمحكمة.

مِنْ لِحَاهُمْ: تعبير مجازي يعني "من مالهم الخاص" أو من مبلغ "الرزقة" الذي أودعوه، حيث تُعتبر اللحية رمزاً للرجل وماله وكرامته.

عندما يجتمع الناس في بيت القاضي، يضعهم القاضي أمام خيارين بوضوح تام، قائلاً: "قْرَاهَا مِنْ لِحَاهَا يا رفاق، هواكو توفّروا واللا نذبح؟

إذا قُدِّم الطعام العادي المتاح في البيت، فهذا يُعتبر من كرم القاضي لضيوفه، ولا يُخصم من مبلغ "الرزقة".

إذا أراد الحضور وليمة دسمة (ذبيحة)، فإن القاضي يُعلمهم أن ثمن هذه الذبيحة سيُخصم من مبلغ "الرزقة" المدفوع سلفاً؛ لأن هذا الطعام يتجاوز الضيافة العادية إلى كونه "نفقات إقامة" للجلسة القضائية.

يُظهر المثل نزاهة القاضي؛ فهو لا يتصرّف في أموال الناس (الرزقة) دون إذنهم، بل يُخيّرهم بين التوفير أو الإنفاق على مائدة الطعام. ويمنع هذا العرف أي لغط أو سوء فهم قد يحدث بعد انتهاء القضية حول مصير الأموال المدفوعة، فكل شيء يُتفق عليه "فوق البساط".

إنَّ مثل "قْرَاهَا مِنْ لِحَاهُمْ" هو دستور مالي مُصغّر يعكس رقي القضاء الشعبي في التعامل مع المال العام (مبلغ التقاضي). إنه يُعلّمنا أنَّ الصراحة في الأمور المادية هي أساس الثقة، وأنَّ "الضيافة" حق، لكنَّ "المبالغة" فيها وقت النزاع لها ثمنٌ يجب أن يُعرف بوضوح.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...