«طقوس الموت في البادية بين الماضي والحاضر»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


الموتُ نهايةُ كلِّ حيٍّ، ولا يدوم غير وجه الله؛ بهذه اليقينية يستقبل البدو الغائب الأخير. تبدأ الرحلة بلحظات الاحتضار المهيبة، حيث يجتمع الأهل لتلقين الروح شهادتها الأخيرة، وتبليل الشفاه بقطرات الماء، فإذا سكن الجسد، قيلت العبارة التي تختصر الحكاية: "طَلَعَ السِّرُّ لِخَالِقِهِ". ويبدأون في تجهيز الميت بالغسل الشرعي والكفن، ثم يُحمل على متن جمل، يُعدل ميله بالحجارة والرمال، ويسيرون به عشرات الكيلومترات طلباً للجوار المبارك لوليٍّ صالح أو شيخٍ كريم.

أما اليوم، فقد حلت سيارات الدفع الرباعي محل الهجين، واختصرت المسافات التي كانت تستغرق يوماً كاملاً إلى دقائق معدودة، وضاعت معها رتابة الموكب الجنائزي الصامت فوق رمال الصحراء. وبعد الدفن، يُرفع القبر قليلاً، ويُوضع عند الرأس والقدم حجران كبيران ليكون القبر معلماً لا يمحوه الرمل.

كان من شيم البادية أن أول رجل يقابل المشيعين عند عودتهم يلتزم بقراهم وذبح الأغنام لهم. ويظل أهل المتوفى ضيوفاً على جيرانهم لثلاثة أيام، في صورة من أبهى صور التضامن الإنساني. كما تُذبح شاة تُسمى "الوناسة" لتكون صدقةً عن الميت. ورغم بقاء هذه العادات، إلا أن دواوين القبائل في الوقت الحاضر بدأت تأخذ طابعاً أكثر رسمية، وأصبح العزاء يُقام في سرادقات أو مضافات مجهزة، مبتعدةً عن العفوية القديمة التي كان يفرضها الجوار المباشر. ومع ذلك، فإن العزاء يجهد أهل المتوفى ويكلفهم فوق طاقتهم، إذ تتحول أحياناً مظاهر التضامن إلى أعباء مالية ونفسية تثقل كاهل الأسرة المفجوعة.

من المفارقات أن المرأة البدوية لم يكن يُعلن عن وفاتها بمراسم رسمية، ولم يكن يُقام لها عزاء كبقية الرجال. إلا أن هذا المنظور قد اختلف جذرياً في الوقت الحاضر؛ فقد فرض الوعي الديني والتعليم وتغير النظرة الاجتماعية تقديراً أكبر للمرأة، فأصبح يُنادى بوفاتها، ويُصلى عليها في المساجد، ويُقام لها العزاء.

يمتاز العزاء في البادية بالوقار والترفع عن الصراخ ولطم الخدود، التزاماً بالصبر الجميل. وتظل عبارات مثل "البقاء لله" هي البلسم الذي يُخفف عن أهل المتوفى. وتلتزم الأرملة بعدتها الشرعية، بعيداً عن الكحل والزينة، في وفاءٍ صامت لشريك العمر.

وهكذا، فإن طقوس الموت بين الماضي والحاضر تكشف عن مزيج من الثبات والتحول؛ ثبات في جوهر الإيمان واليقين، وتحول في الوسائل والمظاهر الاجتماعية. وبين الغسل والكفن، وبين الجمل والسيارة، وبين العفوية والرسميات، يبقى الموت هو الحقيقة الكبرى التي تذكّر الإنسان بفناء الدنيا ودوام الآخرة.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...