«حِينَمَا تَكُونُ الْقَهْوَةُ رَسُولًا لِلْحَاجَاتِ»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


تبدأ الحكاية حين يدخلُ صاحبُ الحاجةِ مَجلسَ الشيخ أو الوجيه، فيُقدَّم له الفنجانُ الأولُ "فنجان الضيف" كما تقتضي الأصول. ولكن، بدلاً من أن يرشف الضيف قهوته، يضعُ الفنجان وهو ملآنٌ على الأرضِ أمامَه. هذه الحركة إعلان وقور بأن وراء المجيء مطلباً عظيماً لا يرويه إلا القبول، وحاجةً لا يسدُّها إلا الكرم.

هنا يتجلى ذكاءُ الشيخِ وفراستُه؛ إذ يُدرك فوراً أنَّ الفنجانَ الذي لم يُلمَس قد أصبح "ثقيلاً" بالرَّجاء. فلا يتركه معلقاً، بل يُبادره بالسؤال المعهود: "ما حاجتك؟" أو "اشرب قهوتك وحاجتك مقضية". فإذا ما أعطى المُضيفُ كلمتَه ووعَد بقضاء الحاجة، عاد الضيفُ ليتناول فنجانَه ويشربه بقلبٍ مُطمئنٍ واعتزازٍ وافر.

إنَّ هذا التقليدَ لم يكن خياراً عابراً للمُضيف، بل كان اختباراً لمروءته أمام عشيرته. فإذا تجافى المُضيفُ عن سؤال ضيفه، أو تجاهل ذاك الفنجانَ المتروكَ على الأرض، فإنَّ ذلك يُعدُّ في عُرفِ البادية "عَيْباً" يُسودُّ به الوجه؛ فالمَضافةُ التي لا تُقضى فيها الحوائجُ تفقدُ هيبتها. أنَّ فنجانَ قهوةٍ واحداً قد يكون سبباً في عتقِ رقبة، أو صُلحِ قبيلة، أو سترِ عائلة، طالما أنَّ القلوبَ تعرفُ قيمتَه والنفوسَ تصونُ حرمتَه.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...