«ما أحسنه ضيفًا وما أرداه محليًا، مفارقة الكرم في ميزان الرجال»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


في ميزان الرجال عند العرب، لا تكتمل المروءة إلا إذا تساوى فعل الرجل في "بيوت الناس" مع فعله في "بيته". لكن المثل الشعبي «ما أحسنه ضيفاً، وما أرداه محلياً» يكشف خللًا في نفوس من يجيدون التلذذ بالضيافة، ويتهربون من واجب الإكرام. إنه نقد اجتماعي لاذع لمن يريد أن يتمتع بحقوق الضيافة كاملة عند الناس، فإذا صار في موضع المضيف (المحلي)، بخل وضاقت يده.

أولاً: "مَا أَحْسَنَهُ ضَيْفاً"، عندما يكون هذا الشخص ضيفاً، تراه خفيف الظل، طويل اللسان بالثناء، يعرف كيف يمدح الموائد، ويقبل العزائم بترحيب حار، ويأكل بأريحية واقتدار. عارِفاً بالأصول، يتصرف كأنه سيد الكرم، يُنظّر في آداب المائدة ويُثني على السخاء، مما يوهمك بأنه من أهل الجود والفضل. فالحُسن هنا ليس حُسن خُلق حقيقي، بل هو "حُسن مصلحة" لكي يُكرمه الناس ويقدموا له أفضل ما عندهم.

ثانياً: "مَا أَرْدَاهُ مَحَلِّياً"، تنقلب الصورة تماماً حين تدور الدائرة ويصبح هو صاحب الدار (المحلي)، تضيق نفسه قبل أن تضيق مائدته، تختفي تلك الابتسامة، ويحل محلها العبوس والتذمر. كلمة "الرداوة" هنا لا تعني فقط قلة الطعام، بل تعني "رداءة الموقف". فهو لا يهشّ ولا يبشّ في وجه ضيفه، وقد يغيب عن المجلس، أو يقدم ما لا يليق، متناسياً كل ما أكله في بيوت الآخرين.

يُعلمنا هذا المثل أنَّ الكرم "دَيْنٌ وَوَفَاء"؛ فمن قبل أن يكون ضيفاً مكرماً عند الناس، عليه أن يستعد لرد هذا الإكرام حين يطرق الناس بابه.

من يجمع بين حُسن التضيّف وسوء المحليّة، هو أنانيّ يرى كرم الناس حقًا له، وكرمه هو خسارة. أما الكريم حقًا، فهو من يسبق فعله في بيته صيته في بيوت الناس. ومن استحسن الأكل عند غيره، واستردأ الإطعام في داره، فقد سقط من عيون الرجال، ولم يشفع له حسن تضيّفه من سوء محليّته.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...