«العيد في مَضَارب البادية»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


يُشكل العيد في البادية مناسبة لا تقتصر على مظاهر الفرح، بل تمتد لإحياء قيم الكرم والأصالة، ويستقبله البدو بالسرور والبهجة، حيث تتضافر جهود الرجل والمرأة لنسج يوم استثنائي، تبدأ خيوطه مع ساعات الصباح الأولى. منذ الفجر الباكر، يبدأ طقس استقبال العيد بإيقاد النار، حيث  يقوم رب البيت بِـ "شَبّ النار" (إيقادها) لإعداد القهوة العربية السادة، التي تُعدّ من الأساسيات التي لا يخلو منها بيت بدوي، كونها رمز الضيافة والكرم. مع دخول وقت العيد وشروق الشمس، تبدأ شعائر الأضحية التي تُنجز بعناية فائقة، حيث يقوم رب البيت أو أحد أبنائه بذبح الأضحية، التي تكون عادةً من "السمار أو البياض" (جدي أو خروف).

 يحرص البدوي كل الحرص على أن تكون ذبيحته جَزْلَة (سمينة) وخالية من العيوب كالهزال أو العور أو كبر السن. بعد الذبح والسلخ، تُعلّق الذبيحة في مقدم بيت الشعر (على أحد الأعمدة). ثم تُقطع، ويُوضع اللحم في القدر الموضوع مسبقاً على النار. أما "الشَّوَايا" (المعاليق والكبد والقلب)، فتُشوى على النار، ويتناولها هو وأهل بيته كـ "تَرَيُّق" (إفطار) العيد.

يرتدي الرجل ثوبه الجديد وغترته وعقاله، ويتطيّب بأجود أنواع الطيب. ثم ينطلق في رحلة المعايدة، بادئًا بـ 'تَعْييد طِنْبَاه' (جيرانه) حيث تكون البيوت متقاربة. ويبقى أحد الأبناء ليَشُوفَ الغداء (أي يتولى الإشراف عليه ومباشرته)، إذ هذا من مهام الرجال ولا تتدخل فيه النساء عادةً. وتبدأ النساء منذ الصباح الباكر بعجن العجين وطهي خبز الصاج. بعد الانتهاء من مشاغلهن، يلبسن "ثياب العيد" المطرزة، ويتزيّنّ بوضع الكحل، وبعضهن يضعن "الشنّاف" (الزِمَام) في أنوفهن. وتقوم الفتيات بخضاب أيديهن بـ الحناء. تقوم النساء بمعايدة أزواجهن وأبنائهن وأبناء عمومتهن، ثم يعايدن نساء الجيران. وتُردد عبارات: "مِنْ العايدين والْفَايزين، مبروك عيدك"، ويُردّ عليه: "مِنْ العايدين، يعوده عليك وعلينا وعلى المسلمين بالخير والصحة والعافية".

بعد أن يجهز الطعام، يقوم الرجل بتجهيز مأدبة الغداء، فيضع خبز الصاج في "سِدْر الطعام" (طبق كبير)، ثم يضع فوقه اللحم ويُسقى بالمرق. بعضهم يضع الأرز فوق الخبز وتحت اللحم. ويجتمع الرجال لتناول الغداء في بيت كبيرهم أو شيخهم. يترك الرجل لنسوته وأطفاله جزءاً من اللحم لغدائهم. بعد الفراغ من الأكل، يدور أحد الفتيان بالقهوة السمراء (السادة) ثم الشاي، وسط أجواء من الألفة والود والفرح.

تُقام سباقات للهجن أو الخيل، ويقوم الرجال بـ "رَمْي الشَّارَة" (أي يضعون هدفاً ويطلقون عليه من بنادقهم)، وسط إعجاب وزغاريد النساء بمهارات أبنائهن وفروسيتهم. وفي المساء، يتسامرون ويحيون الليالي بـ "الدِّحِيّة" أو "الرِّفِيحي" أو "السامر"، وهي فنون شعبية راقصة تُختتم بها بهجة العيد.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...