«التشاؤم والتفاؤل في
وجدان البادية»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لم تكن حياة البدو تخلو من الاعتقاد
بالقوى الخفية والطوالع التي تحمل بين طياتها الخير أو الشر. لقد نشأ هذا الوجدان
في بيئة صحراوية قاسية، حيث يصبح التشاؤم والتفاؤل أدوات نفسية للتعامل مع
المجهول، وقد أسسوا لأنفسهم قائمة طويلة من الرموز التي يجب الحذر منها أو التفاؤل
بها.
ترتبط معظم طوالع الشؤم بالحيوانات
والطيور التي تحمل دلالات الخراب أو الانعزال:
• البوم (طائر الشؤم): يتشاءمون من البوم بشكل
كبير، ويعتقدون أنه علامة على الشؤم والخراب والدمار. فالبوم، بوجوده في الأماكن
المهجورة أو الخربة، أصبح رمزاً لنهاية العمران.
• الغراب (نذير الخسران): يُنظر إلى الغراب بعين
الريبة، حيث قال شاعرهم مُحذراً من الإقدام على ما يجلبه:
مَنْ لَقِي عُشَّ الغُرَابِ وبَيضَتَهُ
* وخَلَّاهُ يَثْرَى لَا ثَرَى لَو مَـــالْ
يُفسَّر هذا بأن من عثر على كنوز (كعش
الغراب) وتجاوزها دون أخذها، فإنه لن ينال خيراً في ماله، مما يربط وجود الغراب
بالاختبار أو المصير المشؤوم.
• الحية (طلب الثأر): إذا مرت حية من أمامهم،
يقتلونها فوراً خوفاً من شرها، ويتمتمون بكلمات ذات طابع قديم: "ثُورْ يَا
ثَارْ بن بَكْرْ". وهذه العبارة هي نداء للثأر القديم بين قبيلتي بكر وتغلب،
وتُستخدم هنا للتبرك بطلب الثأر من الشر.
• طيور النحس: يتشاءمون من نعيق طائر يسمونه
"الكندرة" أو "أم قُرص"، ويعتبرون صوتها نذيراً لا محالة من
وقوع الشر.
لم يقتصر التشاؤم على الطبيعة، بل امتد
ليلامس صفات بعض البشر وحالات الأشياء:
• أجرد اللحية والأشقر الأبرص: يتشاءمون من
الرجل الذي لا لحية له (الأجرد) ويرددون: "صَبَاح القُرُودْ ولَا صَبَاح
الأَجْرُودْ". كما يتشاءمون من الأشقر المصاب بالبرص، قائلين: "لَا
بَارَكَ الله فِي أَشْقَرْ بَعْدَ عُمَر" (في إشارة قد تكون رمزية لشخصية
قديمة أو حادثة تاريخية).
• المرأة والجرة الفارغة: يتشاءمون من رؤية
المرأة تمر وفي يدها أو على رأسها جَرّة فارغة، ويعتبرونها دلالة على خلو الرزق
والمنع. ويتفاءلون خيراً إذا كانت الجرة ممتلئة.
• طِنّة الأذن: يتشاءمون من طنين الأذن،
ويتوقعون بعدها شراً قادماً لا محالة، مما يعكس الاعتقاد بأن الجسد يستشعر الشر
القادم.
في مقابل هذه التشاؤمات، كانت هناك
طوالع تبعث على التفاؤل وتُستخدم للحث على المضي قُدماً:
مصدر التشاؤم: مرور الأرنب من الأمام،
ورؤية الجرّة الفارغة.
مصدر التفاؤل (اليُمن): مرور
الحُصَيْني (الثعلب) من الأمام، ورؤية الجرّة الممتلئة.
على الرغم من قسوة هذه المعتقدات
أحياناً، فإنها تُظهر كيف أن الإنسان البدوي كان يسعى لقراءة علامات محيطه، ليجد
الراحة النفسية في التفاؤل، أو يستعد للحذر في التشاؤم.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات