«من يشاهدك لا تلوّح له»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


"مَنْ يُشَاهِدُكَ لَا تُلَوِّحْ لَهُ". مثلٌ يختصر فلسفة كاملة في حفظ الكرامة، وفي التعامل مع الناس، وفي فهم حدود التعبير، وفي احترام ذكاء الآخر. إذا كان من أمامك يراك، ويشاهد حالك وظروفك، فلا حاجة لأن تلوّح له أو تشرح له ما هو ظاهر للعيان. فالإشارة هنا ليست فقط باليد، بل هي كل محاولة لشرح ما هو واضح، وكل شكوى لا تضيف جديدًا، وكل تكرار لما هو محسوس. فالإنسان الذي يراقبك عن كثب، يرى تعابير وجهك، يسمع نبرة صوتك، يتابع حركاتك وسكناتك، فهو يقرأ "النص" الكامل لأحوالك. عندها، يصبح التلويح له – وهو مجاز عن الشكوى أو الشرح المطول أو تبيان الوضع – ضربًا من التكرار والتفاهة. التلويح المستمر، والاستجداء العاطفي، وكشف الضعف بلا داعٍ، قد يُفقد الإنسان هيبته في عين الناظر. الحكيم هو من يترك حاله تتحدث عنه، فيحفظ كرامته ويحترم قدرة الآخر على الفهم والاستنباط. فليس كل من يراك يستحق أن تفتح له نافذة روحك.

ويُقال أيضًا بصيغة أخرى: "مَنْ يَرَاكَ مِنْ وَرَاءِ الْغِرْبَالِ لَا تُلَوِّحْ لَهُ"، في إشارة إلى أن حتى من يراك من خلف حجاب أو حاجز، يستطيع أن يدرك حالك، فلا حاجة للمبالغة في التوضيح. فالبلاغة ليست في كثرة الكلام، بل في اختيار اللحظة التي نصمت فيها لأن الصمت أبلغ. ويحثنا على أن نثق بفهم الآخرين، وأن لا نُثقلهم بما يرونه بأعينهم، فربما كانت الإشارة تجرح، والشكوى تُضعف، والتكرار يُملّ.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...