«كل غايب يعود إلا غايب
اللحود»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
من أمثال البدو الخالدة ذلك القول:
"كل غايب يعود إلا غايب اللحود". تلخص العلاقة بين الأمل واليأس، بين
الانتظار والقضاء. إنها شهادة على قسوة الموت التي لا تُقاس بغيرها من المصائب،
وتذكير بوحدة الإنسان في مواجهة الحقيقة الأبدية.
غياب الأحياء، سواء كان سفرًا للرزق،
أو ابتعادًا للعلم، أو حتى هجرًا بسبب خلاف. هذا النوع من الغياب تحكمه
"إمكانية" العودة. فالأمل معقود، والقلوب ترقب، والروح تواقة للقاء. أما
غياب الموتى، حيث أصبح الجسد تحت التراب في "اللحود" (جمع لحد، وهو
القبر). هذه العودة مستحيلة في دنيا الأحياء، فهي القطيعة التي لا جسر يعبرها سوى
الذكرى والأثر.
ولم يأتِ هذا المثل من فراغ، فقد سبق
إليه الشعراء في الجاهلية الذين كانوا فلاسفة الصحراء، فقال عبيد بن الأبرص
مُعبرًا عن نفس المعنى بأسلوب شعري مؤثر:
وَكُلُّ ذِي غَيْبَةٍ يُؤُوبُ *
وَغَائِبُ المَوْتِ لا يُؤُوبُ
في هذا البيت إيقاع حزين، وتكرار لكلمة
"يؤوب" (أي يعود) لتأكيد الفارق الجوهري. فكل صاحب غيبة، مهما طال، فإن
عودته محتملة، أما "غائب الموت" فقد انقطع رجاؤه، وانتهى انتظاره.
يغرس المثل في النفوس فضيلة الأمل
والصبر. فطالما هناك حياة، فهناك احتمال العودة. هذا ما يجعل الأسر تنتظر
الغائبين، وترفض اليأس.
الموت الاستثناء الوحيد بعدم العودة،
ويؤكد على أن فقدان الأحبة بالموت هو أعظم الفجائع. إنه الخسارة التي لا تعوض،
والجرح الذي لا يندمل. يذكرنا المثل بهشاشة الحياة وعدم استمرارها. فهو حافز
للتسامح والعفو عن الأحياء قبل فوات الأوان، وتقدير وجودهم قبل أن يصبحوا
"غائبي اللحود" الذين لا رجعة لهم. والتسليم بقضاء الله وقدره. فالمشيئة
الإلهية هي التي تحدد من يعود ومن لا يعود. وقبول هذا الأمر جزء من إيمان المرء
بالقدر خيره وشره. وليكن من مات أحياء في ضمائرنا وذكرياتنا، فهم الغائبون الذين
لا يغيبون، وإن حَرمنا اللحود من رؤيتهم.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات