«الملحة عند البدو (الملاح)»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


في حياة البادية، حيث الشظف والعزلة وامتداد الفلاة، كان الطعام والشراب رمزين للحياة نفسها. ومن هنا نشأت عادة الملحة، وهي من أقدس عادات العرب وأشدها حرمة. الملحة – أو كما يسميها البدو "الملاح" – هي ذوق الطعام أو الشراب من زاد غيرك، حتى وإن حصل ذلك من غير قصد صاحب الطعام. فإذا أكل رجل أو شرب من زاد رجلٍ آخر، فقد انعقد بينهما عهد وميثاق غليظ لا يجوز نقضه، وأصبحا كأن بينهما حرمة الدم والنسب.

الملحة ليست مجرد مشاركة في الطعام، بل هي رمز للأمان والوفاء. فمن تناول من زاد رجل أو شرب من مائه، ثم غدر به أو خانه بعد ذلك، عُدَّ في أعراف البدو "بائقًا"، أي ناقضًا للعهد، وتُسقط عنه العدالة فلا تُقبل له شهادة، وله في العرف عقوبة مشددة.

أما من أبى أن يأكل أو يشرب من طعام مضيفه بلا عذرٍ ظاهر، فقد يُرتاب في أمره، لأن الإعراض عن الملحة علامة على سوء النية أو خوفٍ يخفي شيئًا. وكذلك إذا سلم أحدهم على الآخر ورد عليه الثاني فقد أمن كل واحد الثاني يقيناً ، وإذا لم يسلم ، أو سلم هذا ولم يرد عليه الثاني فليأخذ حذره منه

ولذلك يقولون:

"الملحة عهد، ومن خانها خان الشرف."

وكانت القهوة أول ما يُقدَّم للضيف، ولهذا تُعد أول الملحة، لأن شرب القهوة هو بداية الأمان وباب المروءة بين الرجال.

قصة من واقع البادية تؤكد حرمة الملحة

رُوي أن رجلين من البدو خرجا ذات ليلةٍ في غزوٍ على إبلٍ، فتسللا في الظلام وأخذاها، لكن أهل الإبل تنبّهوا لهم وطاردوهم. أُصيب أحد الرجلين، فحمله خويه على ظهره، والدم ينزف منه، وسارا في الصحراء حتى أعياهما التعب والعطش، وخافا الموت. ولمّا لم يجدا ماءً ولا زادًا، قرر الرجل أن يعود بخويه إلى مضارب القوم الذين أصابوه، لعلهم يعينونه. دخل بيتًا كبيرًا ووجد فيه سحلة من الحليب (صحنًا واسعًا مليئًا باللبن)، فأخذ هو وخويه يشربان منه بسرعة من شدة الظمأ. حين دخل صاحب البيت ورأى رغوة الحليب على شواربهما، قال في نفسه:

"قد مالحوني، ومن مالحك لا يُغدر به."

فأعطاهم الأمان وأطعمهم وأسقاهم، ومنع قومه عنهم. ثم تركهم يهربون بعد أن استراحوا، إكرامًا لحرمة الملحة.

وقال فيهم هذه الأبيات التي تُروى إلى اليوم:

يــــــــــا جاهل الدنيا تراها عواري

زانت لمن يظهر مواجيب مالـــــــه

عنها هبيل القلب مــــــاهوب داري

لو كان فيهـــــا واردات احبالــــــه

لا بد مـــا يجري على العبد جاري

في ربعه الغالين والا عيالــــــــــه

عذري من الله والخوي المبـــاري

قعدت عنده لين سمحت بالـــــــــه

وسريت بــه في مظلمات الغداري

يقطر على جنبي صريب وشالـــه

آطا على الحيات بارض صحاري

خلطت بـــــــالظفران حالي بحاله

الملحة ليست عادة طعامٍ فحسب، بل ميثاق شرفٍ إنسانيٍّ مقدس، صان به البدو أنفسهم من الغدر، وحافظوا به على قيم الكرم والأمانة والوفاء.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...