«زيارة البحر طقوس اندثرت بين الموروث والمعتقد»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


لم تكن العلاقة بين البدو والبادية مجرد علاقة كر وفر بحثًا عن الكلأ والماء، بل كانت علاقة وجودية أعمق، تجسدت في طقوس وعادات آمنوا برمزيتها وقدرتها على حمايتهم واسترضاء القوى الغامضة. ومن بين هذه الطقوس اللافتة، تلك التي كانت تُعرف بـ "زيارة البحر" لدى بعض عشائر البدو.

في الجنوب الأردني، وتحديدًا بين عشائر الأحيوات في منطقة العقبة، كانت "زيارة البحر" تقليدًا معروفًا حتى عهدٍ قريب. فبعد حياةٍ قاسية في صحراء قاحلة، كان البدو ينطلقون في زيارة خاصة إلى البحر، لا للسباحة أو الترفيه، كانت الرحلة تتجه إلى مكان محدد يُعرف باسم "البريج"، وهو موقع يقع حاليًا مقابل الباب رقم (5) في ميناء العقبة. تتمثل جوهر هذه "الزيارة" في ذبح ذبيحة على الشاطئ. وكانت الذبيحة، غالبًا من الغنم أو الماعز، تُقدم كقربان. لكن اللافت في الطقس هو ما كانوا يفعلونه بعد الذبح؛ حيث كانوا يرمون جلد الذبيحة في مياه البحر. هذا الفعل لم يكن للتخلص من الجلد، بل كان عطيةً وتقدمةً لقوى البحر، سعيًا لاسترضائها وضمان سلامة من يخوضون غماره من أبناء القبيلة، وحمايةً لهم من غضب الأمواج وعواصفه.

لم تكن هذه العادة حكرًا على بدو الأحيوات في العقبة فحسب، بل تشترك معهم فيها قبائل ساحل سيناء الشمالية والجنوبية، مما يُشير إلى وجود موروث ثقافي مشترك بين بدو المنطقة، يعكس تصورًا موحدًا تقريبًا لعلاقة البر بالبحر.

مع انتشار المعرفة بالدين الحنيف ووعي أبناء هذه العشائر بأحكام التوحيد، أدركوا أن هذه الطقوس هي من بقايا الشرك والخرافات التي كانت سائدة في الجاهلية، والتي تتعارض مع الإسلام الذي يوجه العبادة والتقرب لله وحده لا شريك له. لذلك، انتهت هذه العادة بحمد الله، تاركةً وراءها أثرًا في الذاكرة الشعبية يحكي عن مرحلة تاريخية وثقافية سابقة.

تعود جذور مثل هذه الطقوس إلى المعتقدات الوثنية القديمة التي كانت تُقدس قوى الطبيعة (الأشجار، الآبار، الجبال، البحر) وتعتبرها آلهة أو مساكن للأرواح، يجب استرضاؤها بالقرابين. ويرى علماء الأنثروبولوجيا في هذه الطقوس محاولة من المجتمعات البشرية "لترويض" المجهول والخطير (كالبحر) من خلال طقس رمزي يتحول فيه من مصدر للتهديد إلى قوة حامية. جاء الإسلام ليصحح هذه المعتقدات، مؤكدًا في آيات كثيرة مثل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62]، وأن النفع والضر بيد الله وحده، فلا يُذبح ولا يُدعى لسواه.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...