«أدب النداء عند أهل البادية وسجايا النفوس»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


يُعدّ النداء عند أهل البادية بوابة الفأل الحسن، وأولى خطوات التواصل التي تُعبّر عن رقيّ الأخلاق ونبل الطباع. فهم، بحكمة فطرية، يحرصون على اختيار أحب الأسماء وأجمل الصفات عند مناداة من يعرفون، ليطيب خاطر المنادى ويُشرق وجهه بالبشاشة. أما إذا كان المنادى غريباً، فينادونه بدعوات الرشد والفلاح، راجين أن يأتي الجواب محمّلاً بالخير والسماحة، فيُولد بين الجانبين ألفةً تحمل في طيّاتها الفأل الحسن.

ويُدرك أهل البادية أن النداء إذا صدر فظّاً أو غليظاً، فإنه يحمل في طيّاته الجفاء، فيُقابل بجواب جلفٍ نفور، يعكس نكران سوية الطباع. لذا، يتأنّون في إرسال خطابهم، حريصين على حسن الابتداء ليُتوّج بحسن الانتهاء، فلا يتعجّلون الجواب، بل يمهّدون له بما يبعث الطمأنينة في النفوس.

ومن جمال أخلاق المرأة البدوية أنها لا تردّ على نداء زوجها بألفاظ التنبيه القاسية، أو عبارات الجمود والجحود، أو إشارات الغموض التي تُثير القنوط. بل يأتي جوابها رقيقاً مريحاً، يحمل بشائر العون والأمل، كأن تقول: "خير"، "عونك"، "أبشر"، "عندك"، "جيتك"، وغيرها من الأقوال التي تُساوي راحتها راحة النفس وطيب الخاطر.

ولا تُنكر المرأة البدوية حاجةً حتى وإن كانت غير موجودة. فإذا طلب زوجها شيئاً ظنّه موجوداً، أجابته بألطف العبارات، فإن لم تجده أو أحضرت غيره، لا يستنكر الزوج فعلها، لأنه يعلم من تصرفها أن المطلوب قد نفد، وقد منعها حسن الفأل من التصريح بنقصان الحاجة. وهكذا، تظل المرأة البدوية بعيدة عن إبداء ما يشير إلى الفاقة، فطباع أهل البادية تميل إلى القناعة، وتسمو أخلاقهم إلى الكرم والسماحة، فتظل نفوسهم متّسقة مع قناعتهم وكرامتهم، في عيشٍ يفيض بالبساطة والجمال.

 

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...