«مَقْتَلُ الرَّجُلِ
بَيْنَ حناكه»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يُعدُّ الكلام سلاحًا ذا حدين؛ فهو وسيلة للنجاة والرفعة إن أُحسن استخدامه، وهو سبب للهلاك والندم إن أُسِيء توجيهه. وهذا المعنى العميق تلخِّصه البادية في قولهم: "الرجل مقتله بين حناكه".
مقتله: مصدر، ويعني هنا سبب هلاكه.
بين حناكه: يشير إلى موضع اللسان داخل
الفم.
إن سبب هلاك الرجل يكمن في ذلك العضو الذي بين فكيه، ألا وهو اللسان. يحذّر المثل من خطر الكلام غير المسؤول، فالكلمة الطائشة أو النميمة أو الغيبة أو الكذب قد تتسبب في كوارث للفرد، من فقدان للسمعة، أو تخريب للعلاقات، أو الوقوع في المشاكل التي قد تصل إلى حد الهلاك الأدبي أو المادي. فاللسان هو أداة التعبير، وهو المسؤول عما يخرج منه.
لقد أدرك الحكماء العرب خطورة اللسان
فكانت توجيهاتهم دائمًا تحث على حفظه، ومن أبلغ ما قيل في هذا المعنى هو قولهم:
"رَحِمَ اللهُ امْرَأً أطْلَقَ ما
بَيْنَ كَفَّيْهِ، وَأمْسَكَ ما بَيْنَ فَكَّيْهِ".
ويمكن شرح هذه الحكمة الجميلة على
النحو التالي:
"أطلق ما بين كفيه": أي أنفق
وسخّْر ما في يده من مال وجهد في الخير والبر والتكافل الاجتماعي. فالكفّان هما أداة
العطاء والبذل.
"وأمسك ما بين فكيه": أي تحكّم في لسانه وكتمه عن قول الشرّ، فامساك اللسان عن السوء هو نوع من العطاء والأمان للذات وللمجتمع.
أنّ حفظ اللسان هو أساس النجاة. فكما أن السيف يقتل الأجساد، فإن اللسان يقتل الأرواح والعلاقات والأعراض. فليكن المرء حريصًا على أن يكون رحيماً بنفسه وبغيره، فيطلق ما بين كفيه من خير، ويُمسك ما بين فكيه من شر.
الكلام سلاح ذو حدين؛ قد يُنقذ صاحبه، وقد يُهلكه. فالكلمة الطائشة، أو الاعتراف في غير موضعه، أو الغيبة والنميمة، قد تفتح أبوابًا من الندم لا تُغلق. وهذا ما تجسّده القصة التالية:
في زمنٍ بعيد، كان هناك صديقان من الرعاة، لا يفترقان. وبينما يسيران في البرية، عثرا على كنز، فتقاسماه وسار بهما الطريق حتى وصلا إلى حقلٍ من الشعير، تتمايل سنابله مع الريح وتُصدر صفيرًا كأنها تهمس بالأسرار.
لكن الطمع دبّ في قلب أحدهما، فطلب إعادة القسمة، فرفض الآخر. فقال له: "إما أن توافق، أو أقتلك وأغنم الكنز وحدي."
ضحك الصديق وقال: "لو قتلتني، ستفضحك الريح، وسيخبر صفير الشعير الناس عنك."
لكن القاتل لم يرتدع، فقتله ودفنه، وعاد إلى دياره وكأن شيئًا لم يكن. وظلت القصة طيّ الكتمان، لا دليل ولا جثة، حتى نسيها الناس.
مرت الأعوام، وتزوج القاتل من امرأة ذات جاه وجمال. وفي إحدى الليالي، اشتدت الريح، وبدأت حبال البيت تصدر صفيرًا عاليًا. فاستيقظت زوجته مذعورة، فسألها: "ممّ تخافين؟"
قالت: "من صفير الحبال، إنه يُرعبني."
فانفجر ضاحكًا، وكلما زاد الصفير، زاد ضحكه، حتى بدا كمن أصابته الهستيريا. ألحّت عليه أن يخبرها، فاعترف لها بالقصة كاملة، وقال: "كلما سمعت صفير الريح، تذكرت صديقي الذي قال لي إن الريح ستفضحني… وها هي تفعل."
لكن ما خرج من بين فكيه، كان سبب مقتله. فحين نشب خلاف بينه وبين زوجته، أخبرت أهلها، وكُشف المستور، وعوقب الجاني بعد سنين من الصمت.
هذه القصة تُجسّد المثل العربي بدقة: "مَقْتَلُ الرَّجُلِ بَيْنَ فَكَّيْهِ"، فما كتمه القاتل لسنين، أفصح به لسانه في لحظة ضعف، فكان سبب هلاكه.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...
0 تعليقات