«اللون الأشهب ودلالاته في البادية»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


الأشهب هو اللون الذي يتوسط السواد والبياض، لا ينتمي إلى أحدهما تمامًا، بل يكتسي هيئةً باهتة تُثير التردد. وقد نظر إليه العرب، وخصوصًا بدو الصحراء، بعين الريبة، فعدّوه لونًا مشؤومًا، لما فيه من اختلاط يُخالف صفاء الطبيعة ويُثير الشكوك.

ومع مرور الزمن، تجاوز "الأشهب" دلالته اللونية ليغدو وصفًا مجازيًا يُطلق على الإنسان والزمن، حاملًا معه التحذير والذم. فقالوا عن الرجل الذي يُلبّس الحق بالباطل: "رجل أشهب"، لا يكذب صراحة، بل يُضلّل القول حتى يختلط الصدق بالزيف، ويغيب اليقين في دخان الحيلة.

وشبّهوا الحسود بالأشهب، إذ يجمع بين سواد الكراهية وبياض التظاهر بالمحبة، شرٌّ مستتر تحت ستار اللطف، كالأشهب الذي يُخدع به البصر وتضلّ به البصيرة. ولم يقتصر هذا الوصف على البشر، بل امتد إلى الأيام العصيبة، فقال أحد شعراء البادية في يومٍ اشتدت فيه الحروب:

لقينا يومًا أشهبَ مـــا عليه نهار

تساوت به الأرواح وضاع القرار

فكان "الأشهب" هنا كناية عن يومٍ كالحٍ، لا يُعرف فيه النور من الظلام. وقال آخر في وصف رجلٍ خبيثٍ يُظهر الودّ ويُضمر العداء:

يضحك كأن البياض بوجهــه نُورٌ

وفي صدره لون الأشهب المكفهرّ

رمزًا إلى ظاهرٍ أبيض وباطنٍ قاتم، كالأشهب الذي يُضلّل العين. بل حتى السيوف القاطعة، كانوا يلقبونها بـ"الأشهب"، تشبيهًا لبريقها القاتل وسط عتمة المعركة:

ضربتُـــــه بالأشهب فبان رأسه

كما ينفلق الغيم إذا خرقه البرق

ومن أمثالهم في التحذير من أهل الغدر: "إيّاك وصُحبة الأشهب، إن ضحك غدرك"، أي أن من خلط الطيب بالخبيث لا يُؤمَن جانبه، ولو أظهر الودّ والابتسام



 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...