«بداية الهجرة، مقتل بليطة»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كان "درب الحاج" شرياناً
يفصل بين عالمين، شمالاً حيث تمتد مضارب الأحيوات نحو وادي عربة، وجنوباً حيث
ترتمي أراضي العليقات. وكانت بين القبيلتين مودة قديمة، قوامها تبادل المنفعة؛
فترعى الأحيوات مواشيهم في أراضي العليقات مقابل "ثنية" أو "عكة
مملية من السمن" عن قطيع الغنم، أو "مفرود" عن قطيع الإبل، وكان
العليقات يعاملونهم بالمثل عند مرورهم إلى وادي موسى والبتراء.
وفي تلك البوادي، عاش عيادة أبو
غريقانه الأحيوات، ذو الأسرة والعدد من الإبل. وكان له ولدان هما سالم وصرار، وبنت
هي سعدي. وفي يوم من الأيام، بينما كانوا يرعون إبلهم في منطقة "أرحيه"
عند رأس وادي الجرافي، جنوب الدرب، تخلف عنهم الراعي في منطقة "البخير".
ثم مضى عيادة وحيداً برفقة كلابه السلوقية إلى الجبال المجاورة للصيد، واعداً
أولاده بالعودة مع المساء. وبينما كان الأخوة يرعون، إذا بقوم من العليقات والطورة
يمرون بهم بزعامة بليطة عقيد العليقات. فتطلع بليطة إلى فحل الإبل، من خيار زملهم،
وطلب أخذه. حاول الأخوة تذكيره بالعهد القديم، وأنه لا حق له سوى
"المفرود"، لكن بليطة أصر على تحديهم وإظهار القوة.
ولما حان وقت العصر، واشتدت الحرارة،
رأى الأخوة تصميمه على الاستفزاز. فقالوا لأختهم سعدي: "أنيخي النياق".
فأعدت ناقتين من الهجن الأصيلة واناختهن استعداداً للفرار. وما إن همَّ بليطة بأخذ
الجمل، حتى انقض عليه صرار بسيفه ضربةً واحدة عزلت رأسه عن جسده في مشهد مروع. لم
ينتظر الأخوة طويلاً، ففروا على ظهر النياق، ومعهم أختهم سعدي، صوب العقبة حيث
مضارب قومهم، تاركين إبلهم وراءهم.
وعندما غربت الشمس، عاد عيادة من رحلة
صيده، وسبقته كلابه إلى مكان الحادث. وكان بين قوم العليقات رجلٌ يدعى الساخن
المزيني، صديق لعيادة. فلما رأى الكلاب عرف أن صاحبها آتٍ، فنهرها محذراً بقوله:
"هَنَاهْ.."
صِرَّارْ قَتَلْ بْلِيطَــةْ
وَالْكُلْ يَعْقِرْ حِيطَهْ!
فسمع عيادة الصوت وعرف الخطر، فولى
هارباً. فأدركه رجل من العليقات ورماه بنشاب أصاب فخذه. فتحامل الرجل على نفسه،
وأمسك السهم في مكانه حتى بلغ الجبال الوعرة، حيث نزعه والتحق بأولاده. وعندما وصل
الأبناء ليلاً إلى مضارب قومهم، أخبروهم بما جرى. وكان الراعي من القدمان حاضراً،
وله قعود (جمل) أجرةً لرعايته. فنصحوه أن يلحق بالقوم ويأخذ جمله، لأنه بريء من
دمائهم. أما بليطة، فقد بقي جثمانه عند المغيب، لم يستطع قومه دفنه حتى صباح اليوم
التالي، حيث دفن في مكان مصرعه. وساق العليقات الإبل إلى ديارهم. وعند ساعة
الظهيرة، لحق بهم الراعي القديم – الذي سار ليلاً – في منطقة "المقرح"،
فوجد الإبل متروكة دون حراس! إذ أن السراب الخادع في حر الظهيرة جعل شجر الرتم
البعيد يبدو لهم كأنه ركاب خيل تطاردهم، فصاح بعضهم في بعض: "لحقتكم الأحيوات
تطلبكم!"، فنجو بأنفسهم وتركوا الإبل. فساقها القديم منتصراً إلى مضارب
الأحيوات، ليكتمل فصل من فصول الصراع في البادية.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات