«الفتى المهجور، وكيف أصبح شيخًا مطاعًا»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كان لأحد شيوخ البادية امرأتان:
إحداهما مهجورة تعيش مع ولدها في بيت من الشعر متواضع، يسمى عند البدو مكُورَن،
والأخرى حظية تسكن مع أولادها في بيت الشيخ الكبير المعروف بـ المسويع. وكانت الأم
المهجورة كثيرًا ما تحث ابنها على الذهاب إلى مجلس أبيه، لعلّ مكانته ترتفع بين
القوم، لكنه كان يأبى، خجلاً من وضعه وقلّة حيلته. وبعد إلحاح شديد، توجه الفتى
إلى مجلس أبيه، حيث اجتمع كبار العشيرة، والشيخ في صدر الديوان بين أولاده وأهل
بيته. ولما دخل سلّم، ثم جلس في آخر المجلس متوارياً، كأنه غريب لا ابن شيخ.
وكان طوال تلك الليلة يسمع حديث الرجال
عن الغزو والشجاعة والخنشلة، فامتلأ قلبه حرقة؛ إذ لم يكن له نصيب من هذه
البطولات، وهو لم يتجاوز ستة عشر عامًا. فعاد إلى أمه غاضبًا، يتألّم من منزلته
المتواضعة بين القوم.
قال لأمه: "يا يمّه، جهزي لي صرّة
من الطحين… دعيني أحنشل، أما الغزو فهو لأهل الخيل والرمح، وأنا لا أملك
شيئاً."
خافت الأم على ابنها لصغر سنّه، فأبت.
فألحّ عليها حتى رضيت. أخذ صرّته وعصاه، وسار ليالي ثلاثة، حتى بلغ آبار ماء عند
الغروب.
هناك جمع حطبًا، وأوقد نارًا، ثم دسّ
عجينته فيها، ليأكل وينام. وبينما هو يرقب النار، إذا بـ المظاهير (الإبل التي تحمل البدو وأثقالهم) يقبلون. فغطّى
نارَه بالتراب، وانزوى بعيدًا يراقب. فنزل أول القوم ونصب بيته فوق نار الفتى
المدفونة، ثم تبعه بقية العرب ونزل الليل وسكنت الأصوات. تسلل الفتى نحو البيت
يبحث عن خبزته المطمورة، فإذا بشخص نائم فوقها. رفع طرف فراشه ليمدّ يده، فإذا
بيدٍ تقبض عليه!
كانت ابنة الشيخ، فصرخت فيه: "يا
ملعون الوالدين! متى اتفقت معي لتأتي في ظلام الليل؟ لن تخرج من هذا المجلس
حيًا!"
فأقسم لها أنه ما قصد سوءًا، وروى لها
قصته.
فقالت: "إن وجدت خبزتك تحت فراشي،
أعنتك على الخلاص، وإلا فمصيرك القتل."
رفع الفراش، فإذا بالخبزة تحتها.
فقالت: "اغمسها بهذا الدهن، ثم
اتبعني."
أخرجته من خلف الستار، وقالت محذّرة:
"احذر حفر هذه الأرض، فهي كثيرة. وإلا سقطت فيها."
لكن ما إن مشى خطوات حتى سقط في إحدى
الآبار. ورأته البنت، فجاءت بحبل، وقالت: "تمسك جيدًا، ولا تلمس شيئًا من
حافة البئر."
كاد ينجو، لكنه أمسك شيئًا أبيض ظنه
حجرًا، فإذا هو قدم الفتاة، فسحبها معه وسقطت في البئر! وبات الاثنان أسيرين في
ظلمتها.
عند الفجر جاء الشيخ – والد الفتاة – ليتوضأ، فرأى شبحين في البئر. فلما اقترب عرف ابنته مع شاب غريب، فبصق عليهما، ثم عاد على عجل، وأمر قومه بالرحيل فورًا دون بيان السبب.
بعد أن رحلت العرب، ترك الشيخ عبدًا واحدًا، وأمره أن يرمي حزم الحطب في بئر معينة، ثم يشعلها بعد امتلائها، ويلحق بالشيخ. ولم يكن يعلم أنه يشير إلى ذات البئر التي سقط فيها الفتى والفتاة. أخذ العبد ينزل الحطب في البئر، والفتى يلتقطه ويصفّه تحت قدميه وقدمي الفتاة حتى ارتفعا. فلما عاد العبد ليشعل النار، خرج الفتى من البئر، فقتله برمحه، وأخرج الفتاة، وأركبها خلفه، وأخذ فرس العبد وسار.
قال لها: "إن شئتِ العودة إلى
أهلك أعدتُك، وإلا فرافِقيني إلى قومي."
فقالت: "أهلي سيقتلونني… لا ملجأ
لي إلا عندك."
بعد يومين عاد إلى أمه بفرس ورمح وبنت
الشيخ، ففرحت الأم وزغردت، وزوّجته إياها. ومن يومه بدأ يغزو، فاشتهر اسمه، وذاع
صيته، وبنى بيتًا عظيمًا كالبيوت المهيبة. غار والده من مجد ابنه، بعد أن فشل
إخوته في الغزو، فعاد إلى زوجته المهجورة وولدها، واعترف بفضله، وصار الابن شيخاً
مطاعاً. ورُزق الفتى ولَدَين، وارتفعت منزلته. وفي يوم جاء إلى ديار والد زوجته،
مصطحباً خمسين بعيرًا وفرسًا، وأجلس ولديه عن يمين الشيخ ويساره. وبعد العشاء قال للشيخ:
"سهرتنا ينقصها حديث، فإما أن تبدأوا وإما أبدأ."
فقال الشيخ: "هات ما عندك."
فروى قصته كاملة. ثم قال للحاضرين:
"أتشهدون أن ابنة الشيخ لم تفعل
إلا ما يفعله الشريف؟"
قالوا: "نشهد."
"وتشهدون أن الفتى لم يخطُ خطوة
إلا بخُلق الرجال؟"
قالوا: "نشهد."
فنهض قائلاً:
"أما الفتى فهو أنا، وأما البنت
فهي ابنتك، وهذان ولداها، وهذه فرس عبدك، وهذه خمسون بعيراً مهرًا لها."
فنهض الشيخ وقبّله، ورحّب به، وأقيمت
القهوة وذبحت الذبائح، وعاد الفتى مرفوع الرأس، ثابت النسب، طاهر الذيل، كريم
المنبت.
بالهدوء والاتزان، يمكن القول إن هذه
القصة تمثل نموذجًا سرديًا غنيًا من أدب البادية، حيث تتقاطع عناصر الشجاعة،
والكرامة، والدهاء، مع قيم الانتماء والارتقاء الاجتماعي. لا تعتمد القصة على
المبالغة أو الخوارق، بل تنسج أحداثها من واقع الحياة البدوية، حيث يُقاس الرجل
بفعله، ويُختبر الشرف في المواقف الحرجة.
التحول المركزي في القصة لا ينبع من
نسب أو جاه، بل من فعل فردي شجاع، بدأ برغيف في النار وانتهى بمجلس مشهود. الشاب
الذي كان يُنظر إليه كصعلوك، أثبت نفسه عبر تجربة قاسية، فارتقى من الهامش إلى
الصدارة، لا بفضل واسطة، بل بفضل عزيمة، وذكاء، وحسن تصرف.
كما أن القصة تُبرز دور المرأة
البدوية، لا بوصفها هامشية، بل كشخصية فاعلة، صاحبة قرار، وموقف، ومروءة، كما
يتجلى في تصرف بنت الشيخ حين ساعدت الشاب، وحين دافعت عن شرفها وشرفه أمام
الجماعة.
في النهاية، لا تقدم القصة بطولة فردية
منعزلة، بل تطرح نموذجًا اجتماعيًا متكاملاً، حيث يُعاد ترتيب المكانة بناءً على
الفعل، ويُحتفى بالشرف حين يُثبت، ويُكرم صاحبه حين يُعلن.
القصة ذكرت في كتاب البادية لـ عبد
الجبار الراوي.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات