«بُيُوتُ الشَّعَرِ،
دِيَارُ الْأَصَالَةِ»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اتخذ أهل البادية بيت الشعر مأوىً لهم،
لما يمتاز به من سهولة النقل بين المراعي والمواسم، من مشتى إلى رباع فمصيف، بحسب
وفرة الكلأ والماء. يُنسج من شعر الماعز وصوف الأغنام ووبر الإبل، وهي مواد متوفرة
لديهم في مواسم الجز، ويبرعون في تحويلها إلى مأوى يحميهم من تقلبات الطبيعة.
تبدأ العناية بالمسكن الشتوي مبكراً في
أواخر الصيف، حيث تنشط "مغازل" البدويات خلف أغنامهن بصناعة النسيج،
تفتل البدويات خيوطاً طويلة من شعر الماعز الأسود، ومن صوف الأغنام أو وبر الإبل،
ثم تُشد هذه الخيوط وتُرص بعناية، وتُنسج معاً باستخدام "قَرن غزال"
لتكوّن قطعة مستطيلة متكاملة تُسمى الشُّقَّة. يُبنى بيت الشعر من وحدات منسوجة
تتفاوت في الاسم والموضع:
الشقق (شقة): هي الجزء العلوي والسقف،
وتُنسج من شعر الماعز الأسود الذي يضفي على البيت لونه الأسود المهيب.
الرواق (أو الزافر): ما يُغطّى به
الجانب الخلفي من البيت، ويُنسج من الصوف أو الوبر الأبيض.
الرفراف: جانبا البيت الأيمن والأيسر.
الغُدْفَة: الستارة التي تُسدل على
مقدمة البيت عند اشتداد البرد أو المطر، بينما يظل البيت مفتوحاً من الأمام في
العادة.
المَعانِد: حواجز داخلية تفصل غرف
البيت عن بعضها البعض، وتُستخدم لتقسيمه إلى أقسام (كالرِّبْعَة والمِحَرَّم).
يُقام بيت الشعر على أعمدة تُشكل
هيكله، ويختلف عددها بحسب حجمه، ولكل عمود اسمه وموضعه:
الواسط: أعلى الأعمدة ارتفاعاً، ويقع
في المنتصف ويحمل معظم البيت.
المقدَّم: أعمدة مقدمة البيت.
زافرة (أو منيحر): أعمدة مؤخرة البيت.
العامر: الأعمدة الجانبية.
يُشد البيت بحبال غليظة (أطناب) تثبت
في الأرض بأوتاد محكمة. وتختلف تسميات البيوت باختلاف عدد أعمدتها:
- قطبة: عمود واحد
- خربوشا: صغير بلا عمود متوسط
- مقورن، مدوبل: عمودان
- مثولث، مخمس، مسبع: ثلاثة إلى سبعة
أعمدة
ويُلاحظ أن "المسبع" هو بيت
رؤساء العشائر، وتصل مساحته إلى 100 متر مربع.
عند نصب البيت أول ما يُفكر به القوم
عند النزول هو اختيار المحل اللائق. تُنصب البيوت غالباً في وسط بيوت أخرى، وتُمدّ
شقق السقف على الأرض وتُغرز الأوتاد بعيداً عنها، ثم ترفع الأعمدة ويُعلق الأروقة.
يُنصب البيت بحيث يواجه بابه الشرق في الشتاء للحصول على دفء الشمس، وفي الفصول
الأخرى يراعى اتجاه الرياح أو القبلة. وتُقسم هذه البيوت إلى "نُزُل"
وفُرُق (فريق)، ويُشترط أن تكون المسافة بين البيت والآخر لا تزيد عن خمسمائة متر
للحفاظ على رابط الجوار.
يتمتع بيت الشعر بقدسية وحرمة خاصة في
الأعراف البدوية:
حرمة الأمان: البيت هو حمى المستجير.
فإذا لجأ إليه لاجئ أو استجار به أحد، كان من واجب صاحب البيت أن يُؤويه ويدافع
عنه، ويصبح اللاجئ في مأمن من أي أذى.
حرمة المكان: للبيت حرمة من جوانبه
الأربعة، تُقدر في حدود أربعين خطوة، وتُزاد أحياناً إلى ستين خطوة عند المدخل.
هذا هو "الحمى المحرّم" الذي يحظر على أي شخص تخطيه بدون إذن. كان
القضاء العرفي يُخصص قضاة لنظر قضايا الاعتداء على هذه الحرمات. للدخول على البيت "حجب" أو
"حُرُمات". يجب على القادم أن يُعلن عن نفسه بتكرار عبارات بصوت عالٍ
مثل: "دُستورْكُو" أو "يا أهل الله" أو "يا عرب"،
حتى يأذن له أهل البيت بالدخول. ولا يعبر البدوي المسافر من الطرف المخصص للعائلة،
بل يقوم بالالتفاف والدخول من الجهة المخصصة للرجال. ينزع المسافر الشَّدَاد
(الرَّحْل) عن ظهر جمله ويدخله إلى بيت الشعر، وهي إشارة إلى نية المبيت.
هذا هو البيت الذي وصفه الله عز وجل في
سورة النحل: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ
مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ
إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا
وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} (النحل: 80). وهو البيت الذي تغنت به مَيْسون بنت بَحْدَل
الكلبية، زوجة معاوية، مفضلة خشونة عيشه على ترف القصور، ومُعلنة أن
"لَبَيْتٍ تَخْفِقُ الْأَرْوَاحُ فِيهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ قَصْرٍ
مُنِيفٍ".
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات