«من عد عيبات الرفيقِ جفاه»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 


قالت البدو: "مَنْ عَدَّ عُيُبَاتِ الرَّفِيقِ جَفَاهُ."

(جَفَاهُ): مشتقة من "الجَفَاء"، وتعني القسوة في المعاملة، والتباعد، والإعراض. فـ "جَفَاهُ" يعني أن الشخص أظهر غلظة في المعاملة، أو أبعد صاحبه، أو أعرض عنه، وكأنه قطّع ما بينهما من صلة وودّ.

يعبّر هذا المثل عن حكمة إنسانية عميقة، تُحذّر من خطورة منهجية تتبُّع العيوب في العلاقات الإنسانية، وخاصة علاقات الصداقة والرفقة. فالإنسان بطبيعته غير معصوم من الزلل، ومن يتحوّل إلى "مُحَصٍّ" لأخطاء صاحبه و"عَدَّاد" لعيوبه، فإنه يحوّل العلاقة من دائرة الودّ والتسامح إلى دائرة المحاسبة القاسية والنقد الجاف، مما يقتل المشاعر ويؤدي حتمًا إلى القطيعة والجفاء.كلمة "عَدَّ" يوحي بالتكرار والاستمرار في البحث والتركيز على السلبيات، بينما يأتي "جَفَاهُ" في نهاية المثل كحصيلة لا مفر منها، وكأنها سنة من سنن الحياة.

يستند المثل إلى فهمٍ واقعيٍ للطبيعة البشرية، فهو لا يطلب الكمال، بل يعترف بأن "العُيُبَات" موجودة في كل إنسان. الحكمة ليست في إنكار وجودها، بل في كيفية التعامل معها. فالحكيم هو من يتغاضى عن الهفوات، والسفيه هو من يجمّعها ويحصيها. هناك ترابط سببي قوي في المثل؛ ف (عَدَّ العيوب) هو السبب المباشر للنتيجة (الجفاء). لا يوجد مجال للصدفة هنا، فمن يزرع النقد والتتبع، يحصد القسوة والتباعد.

الروابط الإنسانية تُبنى على جسور من التسامح والقبول، لا على حفريات التنقيب عن العيوب. فمن أراد أن تدوم مودّة رفيقه، فليعدّ محاسنه، ولا يعدّ عيباته، لأن من عدّ عيبات الرفيق جفاه.

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...