«قصة شهامة وكرم طوق
الأحيوي»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كان طوق وولداه وزوجتاهما يسكنون جهات خشم الطارف والحمرة والخميلة والسدرات، فمرَّ به ابن نجاد ومعه ركبٌ من النجادات الحويطات وغيرهم، وفيهم القديّم فاستضافهم طوق ، وذبح لهم شاة ، وكانوا في طريقهم إلى مصر لجلب الصرّة، ولمّا ساروا من عنده قال أحدهم لن تجدوا طوقاً عند عودتكم! أي أنّه سيغادر المنطقة تهرّباً من القِرى، فسمعه طوق وظلَّ مُستقرّاً في مكانه ، وكانت زوجتا ولديه تسرحان بالغنم في المنطقة، وحينما اقترب موعد عودة القوم طلب من زوجتي ولديه أن تطحنا له قمحاً، وأن تضعاه في المزاود إلى حين حضورهم، وأن تضعا له سمناً حتى اذا جاءه القوم في أثناء عدم وجود الحلال صنع لهم طعاماً إلى أن يعود الحلال ، فلمّا عاد ابن نجاد ومن معه مرّوا بطوق، وكانت المرأتان قد سرحتا بالحلال، ووردتا ماء الهوّارة والردّادية، فقال طوق لهم: أريد ذلولين لتلحقا بالغنم لجلب قراكم، وكان يريد إحضار شاتين، وكان الضيوف نحو العشرين فأراد ذبح شاةٍ لكلّ عشرة رجال، وقال هذه مريرتي ــ أي عقالي ــ ليعطيها راكبا الذلولين زوجتي ولديه لتعطياه شاتين للضيوف، فقالوا: عزومتك وافية، ويكفي الميسور، وحرّموا فاصرَّ وأصرّوا، وقالوا: لمّا سافرنا من عندك أكلنا ذبيحة، فأقراهم وصنع لهم فتّة من خبز القمح، وعجنها بالسمن، فلمّا أن أرادوا المسير قال طوق للِّقديّم: أنا داخل عليك عن مغنّي الركاب، وكانت العادة أنَّ الركب يغنّي فيهم أحدهم، ويحدّث بما جري معهم، فقال القديّم: دخلت وسلمت، فلمّا غادر القوم وساروا في طريقهم وصلوا إلى قاعة إغويل الحرّ، فقال مغنّي الركاب وهو عبدٌ لابن نجاد لمّا برّكوا الإبل:
طوق يـــا فسوة عجوزه
من اللَّحم ما دسّم لحاهن
وفي رواية:
طوق يــا فسوة عجوزه
يا اللّي دنقر عن إقراهن
وقال:
مسكنه روس العلالي
عن الدروب مشحيّات
بكرجه طاسة عجوزه
والمِعزى مــدرولات
فغضب القديّم وردَّ عليه فقال: اشمامه
في عمامة أكلت قمح بسمن، وقال:
طوق مــــا جا للِّملامة
يا العبد يـــــــــا
لمامة
القمح والسمن متــلّل
والغنم طبّت
للمسامة
وفي رواية:
يا العبيد يا أبو عمامة
يا العبيد أبو ثمامة
ثمّ ضرب يد العبد فقطعها، ثمّ إنّ
الأحيوات أرادوا منع قوم ابن نجاد من المسير الى مصر، ومن جاء احتجزوه، ثمَّ
إنّهم اتّفقوا على القضاء عند ابن مقبول شيخ العمران، وكان ابن نجاد يُطالب
القديّم بيد العبد، فسار ولدا طوق إلى ابن مقبول، فقالا وهما راكبان لابن مقبول: ما قِراهم ؟ فقال لحم وسمن، فقالا ما قِراهم ؟ فقال: قمح وسمن، فإن نزلتم
فانزلوا وإلّا فاذهبوا، فلمّا تقاضوا ذهبت اليد في كلمة راعيها، وقد شدّ طوق
الحسني للِّقديّم، وهذا الحسني تعمّ ذريّته الكساسبة والخناطلة. وكانت ديار طوق
الأحيوي مع قومه الأحيوات في العقبة، ولكّنهم كانوا ينتجعون بلاد حلفائهم
الترابين في التيه، ومن هذه البلاد نواحي جبل خشم الطارف وجبل الحمرة ووادي
الخميلة والسدرات في شمال غرب وغرب العقبة إلى الشمال من درب الحاج المارّ في وسط
سيناء بين نِخِل والعقبة.
العبرة من القصة...
الكرم الأصيل والشهامة العربية الأصيلة
تُخلَّد في الذاكرة وتُغنَّى بها القصائد! قصة طوق الأحيوي هي درس بليغ في الوفاء
والكرامة.
طوق لم يكتفِ بإكرام ضيوفه مرة واحدة،
بل أصر على تكريمهم مرة أخرى ليثبت لهم أن كرمه ليس مؤقتًا ولا خوفًا، بل هو أصيل
من قناعة وشيمته. وها هو "القديم" يرد الجميل بأجمل طريقة، مدافعًا عن
شرف مضيفه وكرمه ضد إساءة عبده، لتصبح قصة كرمه تتردد على ألسنة الركبان. إنها قصة
تذكرنا بأن الأفعال الطيبة لا تنسى، وأن حسن الضيافة والوفاء هما إرث ثمين تتناقله
الأجيال، وتصنع منه قصصًا تخلد في التاريخ وتُورث الفخر للأحفاد مثل الكساسبة
والخناطلة. شكرًا لكل من يحفظ لنا مثل هذه القصص الجميلة التي تشكل هويتنا
وتاريخنا العريق.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات