«الدغنجه، راعي الغنم الذي صار علماً»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في قلب بادية سيناء، حيث الرمل يروي حكايات الصبر، والريح تحفظ أسماء الرجال، يسطع اسم "الدغنجه" كالنار على علم. لا تكاد تمر بخيمة أو مجلس في وسط سيناء إلا وتُذكر سيرته، ويُشاد بصدقه، ويُضرب به المثل في تجارة الغنم.
لكن، كيف بلغ هذا الرجل تلك المكانة؟ كيف صار اسمه مرادفاً للثقة والخبرة في سوق الأغنام؟ تعالوا نغوص معاً في قصة كفاحه، كما رواها لي بنفسه، ونحن نشق الطريق إلى العريش في سيارة واحدة.
كان يلف لفافة من الدخان العربي حين باغته بسؤالي:
"حدثني عن بدايتك في تجارة الغنم يا دغنجه."
نظر إليّ بهدوء، وقال:
"سأحدثك... لكن دعني أولاً أُكمل لفافتي."
ثم بدأ يسرد، بصوت يشبه نبرة الرمل حين تهمس للريح:
"عملت بيدي في كل شيء. في فلسطين المحتلة، قطفت البرتقال، وحملت صناديق الدواء في المستودعات. كنت أكره اليهود، خاصة يهود اليمن الذين كانوا يشاركونني العمل، لعاداتهم التي لم أطقها. كنت أجلس وحدي في ممر المستودع، أدخن وأتناول طعامي بصمت.
بعد تحرير سيناء، عدت إلى وادي المويلح، مسقط رأسي، رغم أن كثيراً من إخوتي وأبناء عمي هاجروا إلى أماكن أخرى. بقيت وحدي، أقاتل شظف العيش وسنوات الجفاف.
تزوجت، ورُزقت بأولاد، وكبرت المسؤولية. كنت أعمل بجهد، لكن الدخل لا يكفي. جلست ذات مساء أفكر: كيف أوفر لقمة كريمة لأبنائي؟
عرض عليّ أحدهم شراء بعض الغنم. ترددت، ثم اشتريتها وبعتها، وربحت. راقت لي الفكرة، لكنني كنت حذراً، فليس لي خبرة. بدأت صغيراً: عنزة، ثم نعجة، ثم زليط. أبيع وأشتري، حتى صار الناس يأتونني بأنفسهم:
'يا دغنجه، عندنا غنم للبيع، تعال وخذها.'
بعد عام، قررت أن أتعمق. صرت أبحث عن الغنم، أعرف أسعارها، سلالاتها، أعمارها من أسنانها. تعلمت أن أكون صادقاً، لا أغش، وإن اشتريت غنمة معيبة، أُخبر المشتري بعيبها.
وهكذا، صار الناس يعرفونني في السوق. يأتون إليّ فور وصولي، لأنهم يعلمون أنني لا أبيع إلا الطيب، ولا أظلم أحداً.
الحمد لله، عشت حياة ميسورة، بفضل الله ثم بفضل صدقي واجتهادي. وأنصح كل من ضاقت به السبل: لا تنتظر الوظيفة، اسعَ، وابذل، واستعن بالله، وستجد رزقك حيث لا تحتسب."
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...
0 تعليقات