«حادثة مقتل صرار وصراع
الثأر بين الأحيوات والترابين»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حادثة مقتل صرار وصراع الثأر بين
الأحيوات والترابين: دراسة تحليلية لقضية ثأرية وأثرها في التوزيع القبلي.
تعد الحكايات الثأرية من أبرز الرواسب
في الذاكرة التاريخية للقبائل العربية في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام، حيث لا
تمثل مجرد حوادث فردية، بل كانت أحد العوامل الحاسمة في رسم الخريطة الديموغرافية
والجغرافية للقبائل، وتحديد مناطق نفوذها وسلطتها. وتعد حادثة مقتل صرار أبو
غريقانه الأحيوي على يد سالم الحر الترباني، وما تبعها من ثأر، نموذجًا حيًا على
كيف يمكن لحدث واحد أن يغير موازين القوى ويؤدي إلى ترحيل قبائل واستقرار أخرى.
وقع الحدث في منطقة الأحوى، القريبة من
وادي القريص (أحد فروع وادي العقابة)، وهي من ديار قبيلة الترابين التي كانت تسيطر
على تلك النواحي. وكانت المنطقة تشهد حركة رعوية وصيد، حيث يتنقل الأفراد بحثًا عن
الماء والمرعى.
خرج صرار بن عيادة أبو غريقانه (من
قبيلة الأحيوات) للصيد في الأحوى، والتي تحتوي على ثميلة ماء (بركة ماء صغيرة).
وبينما هو يغترف الماء، هجم عليه الحر الترباني (من قبيلة الترابين) فهدم عليه
الثميلة، مما أدى إلى مقتله ودفنه تحتها. وعندما عُثر على جثته لاحقًا، ظن
الواردون لل الماء أن الثميلة انهارت عليه بشكل طبيعي، فظلت القضية مجهولة لسنوات.
بعد سنوات، حدثت مفارقة تاريخية كشفت
السر. كان رجل من الأحيوات يدعى الحوات ضيفًا على الترابين. أثناء مشادة بين أفراد
الترابين أنفسهم، قال أحدهم للآخر مهددًا: "هذا وَذَكْ (أي الليلة) تفعل به
ما فعل الحر بصرار". لكن أحد الترابين الذي انتبه لوجود الضيف الأحيوي، حذر
بقوله: "الحوض فيه قطاه" (كناية عن وجود غريب قد يسمع السر). فهم الحوات
المعنى واستشعر الخطر على حياته، فتسلل هاربًا تحت جنح الظلام.
ذهب الحوات هاربًا حتى وجد سالم أبو
غريقانه (أخو صرار) يقيل عند ثميلة ماء "سويلمة". فبشره بقوله: "ما
بشارة من يبشرك بقاتل صرار؟". تعهد سالم له بأن يخير من إبله ما يشاء مقابل
المعلومة. اختار الحوات جملاً وأخبره أن القاتل هو الحر الترباني.
تجهز سالم بسلاحه وعبده واتجه إلى
مضارب الترابين. علم أن الحر ذهب إلى المدينة (العقبة أو نخل) للتزود، وأنه متوجه
إلى كرمه المعروف باسم أم البارد في وادي الغريراء. يتميز هذا الكرم بموقعه الاستراتيجي
في واد ضيق، ولا منفذ له سوى ممر وعر يسمى الرجبة.
اتفق سالم مع عبده على خطة ذكية: يدخل
العبد من جهة الوادي ويشهر سلاحه على الرجلين الموجودين في الكرم (الحر ورفيقه أبو
جليدانه).
يصيح العبد: "صرار في بطنك يا
حر!".
بينما ينتظر سالم على رأس الرجبة، ممسكًا
بالمنفذ الوحيد للهروب. عندما صاح العبد، فر الحر مذعورًا نحو الرجبة، وهناك كان
سالم في انتظاره. ضربه سالم ضربة قاضية انتقم فيها لأخيه، بينما بقي أبو جليدانه
في الكرم. بعد مدة، غزا أبناء الفريقاني (من الأحيوات) عرب الحررة (الترابين)
انتقامًا أيضًا. دخلوا عن طريق الخطأ بيت أبو جهامه الترباني ولم يجدوا أحدًا.
فتركوا على ظهر بيت الشعر أربع طلقات: ثلاث مليئات والرابعة فارغة. في عرف البدو،
هذه رسالة ذات دلالة عميقة:
الطلقة الفارغة: ترمز للمقتول (صرار)
الذي تم الثأر له (أي أن دمه "مجدود" أو مأخوذ).
الطلقات المليئات الثلاث: ترمز إلى
"الرقاب" الباقية، وهي الدية أو الحقوق التي لم تستوف بعد للطرف المنتصر
(الأحيوات). سعى الشيخ علي بن نجم للصلح بين الطرفين. في مجلس الصلح، طالب أبو
جهامه بحق بيته لأن الغزاة كشفوا محارمه (عرضوا حرمة بيته) وهدم بيته لمدة عام. تم
احتساب هذا كـ"رقبة" من الحقوق المستحقة. وتم الاتفاق على الصلح بتسديد
الدية أو "الرقاب" على النحو التالي:
رقبة: قتل الحر (الثأر المباشر).
رقبة: حق بيت أبو جهامه (لتكسير
حرمته).
رقبة: كرم "أم البارد"
(كتعويض عن الملكية).
رقبة: دلو الحر في الثمد وكل ما يملك
في التيه (تعويض مالي شامل).
وبذلك استوفى الأحيوات (الغراقين)
حقوقهم كاملة بأربع رقاب، ومُحِيَ أثر الحر الترباني من المنطقة تمامًا، حتى لُقب
سالم أبو غريقانه بـ "المسح" لنجاحه في مسح أثر قاتل أخيه.
رحلت قبيلة الترابين عن مناطق
في "التيه" (صحراء سيناء) الى فلسطين وشمال سيناء، لخصوبة الارض وكثرة أراضي الرعي. في المقابل، توسعت قبيلة الأحيوات واستطاعت
أن تسيطر على تلك الديار وتمتد نحو الجنوب، خاصة بعد حادثة ثأرية أخرى (مقتل
بليطة)، لتحكم منطقة درب الحاج وما حولها.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات