«الحُسْنَى عند البدو:
دينُ المعروف الذي لا يُنسى»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في الصحراء الواسعة، حيث حُكم البقاء
للأقوى، نبت بين القبائل قانون غير مكتوب، أعرَف وأمضى من أي سلاح؛ إنه قانون
"الحُسْنَى". إنه عقد شرف بين البشر، يمتد عبر الأجيال، يجعل من فعل
الخير دينًا واجب السداد، ومن رد المعروف شرفًا لا يُمس.
الحُسْنَى في عرف البدو هي فعل
المعروف، أو الإحسان العظيم الذي يقدمه الشخص لمساعدة آخرين في موقف عصيب. وهذا
الفعل يُعتبر دينًا وواجبًا مقدسًا لا يُنسى، بل يظل العربي يردده ويرثه لأولاده
كدين عليهم حتى يردوه.
تنقسم الحُسْنَى إلى ثلاثة أنواع
رئيسية، لكل منها طبيعته:
حُسْنَى المَثْبِر (حُسْنَى الموت):
وهي إنقاذ حياة شخص كان على شفا حفرة
من الموت. وذلك كأن تُغيث رجلًا تعرّض للهجوم في غزوة، أو وجدته قد ضلّ طريقه في
الصحراء وهو شارف على الهلاك عطشًا أو جوعًا، أو حتى إن وجدته ميتًا فكفنته ودفنته
بما يحفظ كرامته.
حُسْنَى العِرْض:
وهي إنقاذ شرف امرأة أو فتاة من انتهاك
محتم. وذلك كأن تنقذ فتاة من خاطفها، أو تدافع عن امرأة ممن يريد الإساءة إليها
وانتِهاك حرمتها.
حُسْنَى المال:
وهي إنقاذ مال شخص من الضياع أو
السرقة. وذلك كأن تُغاثة مال رجل تعرّض للنهب والسلب، فتدافع عنه وتعيده إليه.
حتى تُعتبر المساعدة "حُسْنَى" في العرف البدوي، يجب أن يتوفر شرطان أساسيان:
اختلاف القبيلة: أن يكون الشخص
المُحْسَن إليه (المحسُون) من قبيلة غير قبيلة فاعل الحُسْنَى.
التضحية والمخاطرة: أن تكون المساعدة قد قُدِّمت بشجاعة نادرة، إما باستخدام القوة والسيف في الدفاع، أو أن يتعرض فاعل الحُسْنَى لخطر شديد على حياته أثناء تقديمها.
الحُسْنَى ليست مجرد فعل منسٍ، بل هي
التزام أبدي. فعلى المُحْسَن إليه (المحسُون) أو عشيرته أن يردوا هذا المعروف إذا
تعرّض صاحب الحُسْنَى يوماً ما لمكروه أو احتاج للمساعدة. والأعجب من ذلك أن هذا
الدين الأخلاقي لا يسقط بموت صاحبه، بل يتوارثه الأبناء عن الآباء، ثم ينقلونه
بدورهم إلى الأحفاد، جيلاً بعد جيل، فيصبح ردُّ الحُسْنَى شرفًا للقبيلة بأكملها
وواجبًا عليها.
الحُسْنَى هي تجسيد لأرقى قيم الشهامة
والنخوة العربية الأصيلة. إنها تذكير بأن أعظم القوانين هي تلك التي تُكتَب ليس
على الورق، بل على صفحات القلب، وتُورَّث ليس بالمال، بل بالشرف والوفاء. فهي نسيج
أخلاقي متين يحفظ التوازن الاجتماعي ويجعل من الصحراء القاسية مجتمعًا إنسانياً متكافلاً.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات