«وصف البدو... المستشرقة
الليدي آن بلنت»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الديمقراطية البدوية: حرية الفرد
وسيادة القبيلة في صحراء العرب
لطالما شكلت حياة البدو ونظامهم
الاجتماعي والسياسي مصدر إلهام ودهشة للكثير من المستشرقين والرحالة الذين مروا
بالمنطقة العربية. وفي وقت كانت فيه أوروبا تتنازع بين أنظمة ملكية مطلقة وأخرى
برلمانية ناشئة، وجد هؤلاء الرحالة في الصحراء نموذجًا فريدًا للحكم يعتمد على
مفاهيم بدت لهم أقرب إلى المثالية. ومن بين هؤلاء، برزت الليدي آن بلنت، التي سجلت
ملاحظاتها الثاقبة في كتابها "قبائل بدو الفرات" عام 1878، مقدمةً صورةً
عن نظام سياسي وصفته بـ "الغريب" و"راقٍ" في آن واحد.
رؤية مستشرقة: نص الليدي آن بلنت
(يعتبر النظام السياسي عند البدو
بمنتهى الغرابة لأنه يعطي مثالا راقيا لأفضل أنواع الديمقراطية في العالم، وربما
ديمقراطية البدو هي الوحيدة التي تتحقق فيها الشعارات التالية: الحرية، المساواة،
الأخوة.
الحرية عند البدو هي أساس النظام كله،
ولا نقصد الحرية القومية فحسب، ولكن الحرية الفردية كذلك التي لا تقيدها أي ضوابط
كضوابط الولاء للملك أو الدولة البدوي لا يدين بشيء لا يقرره على نفسه وهو يستقل
بالعمل الحر الشخصي وبالاهتمامات الخاصة. فإذا ما استاء البدوي من شيء يمكنه أن
ينعزل عن المجتمع الذي ينتمي إليه في أي وقت دون أن يُسأل أو يخاف من عقاب ومكانة
البدوي في مجتمعه تذكرنا بأنه عضو في ناد أكثر من كونه من مجتمع أو رعية ولكن
طالما أنه من قبيلة، فعليه أن ينصاع لأحكامها وضوابطها، وعليه أن يشارك في كل
المداولات التي تجري من أجلها. وإذا ما رأى آراء مهملة فله الحق أن يتحرر من
سلطتها إذا كانت تحول دون استقلاليته. ولن تجد بدوياً في البادية يتذمر أو يشتكي
من الظلم لأن مواجهة ذلك وعلاج الظلم تبقى معطياتها دوماً بين يديه).
الليدي أن بلنت - قبائل بدو الفرات عام
١٨٧٨ م
يقدم نص الليدي بلنت تحليلاً عميقًا
يقوم على عدة ركائز أساسية شكلت ما أسمته "أفضل أنواع الديمقراطية":
• الحرية الفردية المطلقة: تركز بلنت على مفهوم
فريد للحرية، ليس مجرد تحرر من استعمار، بل تحرر الفرد من أي ولاء قسري لسلطة
مركزية (ملك أو دولة). فالبدوي، في تصورها، سيد نفسه وقراره، وهو لا يخضع إلا لما
يوافق عليه بمحض إرادته.
• المساواة والأخوة: لا توجد طبقات أرستقراطية
وراثية بالمعنى التقليدي في النظام القبلي. فمكانة الفرد تُكتسب بشجاعته وكرمه
وحكمته، وليس بمولده. كما أن روابط الأخوة والعصبية القبلية تضمن نوعًا من التكافل
الاجتماعي حيث يكون الجميع مسؤولاً عن بعضهم البعض.
• الديمقراطية المباشرة والمشاركة: تصف بلنت
المجلس القبلي (المشورة أو المجلس العرفي) كنموذج للديمقراطية المباشرة. حيث
يُستشار كل فرد، ويكون من حقه التعبير عن رأيه في القضايا المصيرية للقبيلة، مثل
الحرب والسلم والانتقال والقصاص.
• مبدأ الانعزال كتعبير عن الرفض: تُبرز بلنت
آلية فريدة لحقوق الفرد وهي حق "الانعزال" أو الانفصال عن القبيلة في
حال تعارضت قراراتها مع مبادئه أو مصالحه. هذا الحق يمنح الفرد سلطة تفاوضية هائلة
ويجبر القيادة القبلية على الاعتدال ومراعاة آراء الجميع.
• سيادة القانون والعرف (وعدم الظلم): تؤكد بلنت
أن البدوي لا يشتكي من الظلم لأن آلية تحقيق العدل ("معطياتها بين
يديه") موجودة ومتاحة. والمقصود هنا هو "العرف" القبلي، وهو مجموعة
الأعراف والتقاليد غير المكتوبة التي تحكم العلاقات وتفصل النزاعات. فالفرد لديه
الحق في المطالبة بحقه بنفسه أو عبر وسيط، مما يلغي الشعور بالعجز أمام جهاز دولة
بيروقراطي.
لا شك أن ملاحظات الليدي آن بلنت، رغم
دقتها في كثير من الأحيان، تحمل نظرة رومانسية إلى حد ما تجاه حياة البدو، متأثرة
بسياقها التاريخي وانزياحها الثقافي. فالحياة في الصحراء كانت قاسية، والنظام
القبلي لم يخلُ من الصراعات الداخلية والغزوات. ومع ذلك، تبقى شهادتها وثيقة
تاريخية ثمينة تكشف عن نموذج حكم قائم على المواطنة الطوعية، حيث يوازن الفرد بين
حريته المطلقة ومسؤوليته تجاه جماعته، في إطار عقد اجتماعي غير مكتوب قائم على
الاحترام والمنفعة المتبادلة أكثر من كونه قائمًا على الإكراه والسلطة المطلقة.
وهو نموذج لا يزال يثير التأمل في مفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة حتى يومنا
هذا.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...

0 تعليقات