«"التحقيق" أو
"التحصيص"، عرف الكرم في البادية»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في ثقافة البادية الأصيلة، تتجلى قيم الكرم والإيثار في أدق تفاصيل الحياة اليومية، خاصة في المناسبات التي تجمع الأهل والضيوف كالأفراح والعزائم. وعندما يقلّ نصيب كل فرد من اللحم، يتبع أهل البادية عرفًا لطيفًا يُعرف بـ "التحقيق" أو "التحصيص".
عندما يكون اللحم قليلًا، يقوم صاحب الوليمة بتوزيع قطع صغيرة ملفوفة بقطعة من خبز الشراك. هذه الطريقة في التقديم، حيث تُطوى قطعة اللحم داخل الخبز، هي ما يُطلق عليه "تحقيق". ويقتصر هذا النوع من التوزيع غالبًا على الأقارب وأهل "المحليّة" (أهل البلد أو المنطقة)، بينما يُقدّم الطعام للضيوف كالمعتاد في الأطباق الكبيرة (السدور والمناسف) التي تفيض بالكرم.
إذا لاحظ صاحب الدار أن عدد الحضور يفوق كمية اللحم المتوفرة، أو خشي ألا تكفي القطع لإكرام جميع الموجودين، يلجأ إلى حيلة ذكية تدل على فطنته وحسن تدبيره. يقوم بلفّ رغيف من خبز الشراك برغيف آخر (دون أن يضع بداخله لحمًا) ويوزّع هذه "الرغائف الخالية" على بعض أقاربه المقربين الذين يثق في تفهمهم وكرم أخلاقهم، متوقعًا منهم أن يتظاهروا بالاكتفاء حتى يوفّر اللحم للضيوف الذين هم أولى بالإكرام في نظر العادات والتقاليد البدوية.
يُروى أن أحد الرجال، في موقف كهذا،
وزّع خبزًا خاليًا من اللحم على عدد من أقاربه الذين أحسن الظن بهم. وبدأ هؤلاء
الأقارب بتناول الخبز وكأنه يحتوي على قطعة لحم، إظهارًا للتجمل والصبر. إلا أن
أحدهم، ربما لشدة الجوع أو لسهو، فتح الخبز أمام الملأ ونادى على صاحب الدار
قائلاً: "يا أبا فلان، الخبز ما فيه لحم!". فردّ عليه صاحب البيت بلسان
الواثق من حسن ظنّه: "حقّك عليّْ، ظننتك منهم".
في هذه العبارة الأخيرة تكمن العبرة، حيث عبّر صاحب البيت عن ثقته بأن هذا القريب هو من الذين يُقدّرون الموقف ويسترون عليه حرصه على إكرام الضيوف. قد يكون ردّه هذا توبيخًا لطيفًا على عدم فهم القريب للإشارة الضمنية، أو اعتذارًا عن هذا الخطأ غير المقصود.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...
0 تعليقات