«عزّ نفسك ترتجيها، فلسفة
الكرامة في مجالس البادية»
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلق الله
سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يُعدُّ المثل القائل "عزّ نفسك
ترتجيها" دستوراً أخلاقياً مُكثفاً في كلماتٍ معدودة؛ فهو لا يحثُّ على
الأنفة فحسب، بل يرسم مساراً لبناء الشخصية الحرّة التي لا تقبل الضيم.
كرامة الإنسان هي الخيط الرفيع الذي
يفصل بين الوجود الحقيقي والبقاء الهامشي. ويأتي هذا المثل العربي ليؤكد حقيقةً
نفسية واجتماعية غائرة في العمق: النفس كالمرآة، ما تطبعه فيها من عزةٍ تمنحك
وقاراً، وما تفرضه عليها من هوانٍ تجنيه ذلاً وانكساراً.
العزُّ هنا ليس كبراً ولا خيلاء، بل هو
الترفع عمّا يشين، وصيانة النفس عن مواطن الذل. فعندما تُكرم نفسك، أنت في الحقيقة
تضع لها حدوداً لا يجرؤ الآخرون على تخطيها. وكما قال الشاعر:
وَنَفسُكَ أَكرِمهــــــا فَإِنَّكَ
إِن تَهُنْ
عَلَيكَ فَلَن تَلقى لَها الدَهرَ
مُكرِما
كلمة "ترتجيها" تحمل معنى
التربية والاعتياد؛ فالنفس تُبنى على ما عودتها عليه. من اعتاد العزّ صار الإباءُ
فيه طبعاً لا تطبُّعاً. عزة النفس استثمار طويل الأمد: حين تحتاج إليها في مواقف
الشدة، تجدها شامخةً صلبة، لأنك لم تكسرها بالطلب الرخيص أو التذلل لغير الخالق.
أثر إكرام النفس على السلوك الإنساني:
يفرض الإنسان احترامه على الآخرين؛
فالناس لا تحترم من لا يحترم نفسه.
يمنح صاحبه شعوراً بالرضا والاكتفاء
الذاتي، بعيداً عن الارتهان لعطايا الآخرين أو ثنائهم.
يرفع النفس عن الدنايا والصغائر؛ فمن
عظُمت نفسه لديه صغُرت في عينه شهوات الهوان.
إنَّ مَن تعوّد على العزّ لا يعرف
للانحناء سبيلاً، ومن أكرم نفسه في الرخاء وجدها سنداً له في الشدائد. فاجعل من
"عزة النفس" رداءً لا تخلعه، لتبقى مهيب الجانب، حر الإرادة؛ فمن هانت
عليه نفسه، كانت على غيره أهون.
عوّد نفسك على معالي الأمور، وصُنها عن
السؤال والدناءة، لتجدها عند الشدائد نفساً أبيةً لا تقبل المهانة ولا ترضى
بالدون.
" لا تقرأ و ترحل "
ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...
