«أبو البنات وأبو الأولاد»

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة واتم التسليم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


في قديم الزمان، وفي إحدى القرى العامرة بالوفاء والطيبة، كان هناك رجلان متجاوران، أحدهما يُدعى عيسى والآخر فهد. جمعتهما صداقة قديمة، كأخوين لم تلدهما أم واحدة.

وفي ليلةٍ واحدة، تزوج الصديقان من امرأتين فاضلتين. ومضت الأيام حتى بشّرهما الله بالذرية في وقت واحد؛ فجاء عيسى إلى صديقه فهد يسأله وهو يبتسم:

«ما الذي رزقك الله به يا أبا…»

قال فهد في فرح: «رزقني الله بنتًا جميلة، سمّيناها نورة».

ضحك عيسى وقال مزهوًا: «أما أنا فقد رزقني الله ولدًا سمّيته محمدًا، والناس صاروا ينادونني بـ أبي محمد، لا بأبي نورة».

ومضت الأعوام، ثم حملت زوجتاهما وأنجبتا في الوقت ذاته تقريبًا، فأنجبت زوجة فهد بنتًا ثانية، بينما أنجبت زوجة عيسى ولدًا ثانيًا. فقال عيسى في فخر:

«من رُزق بولدين متتابعين، فقد حلّت زوجته مهرها، وكأنها جاءت ببلاش!» قالها ضاحكًا، وفهد يبتسم بصمت.

ومضت السنون مرة ثالثة، وأنجبت زوجة فهد بنتًا ثالثة، وزوجة عيسى ولدًا ثالثًا. فقال عيسى ساخرًا:

— «الآن صار لي ثلاثة أولاد، كركائز الموقد التي تُجلس القدر فوقها، أما أنت يا أبا البنات، فلا يستقيم قدرك!»

فقال فهد في سكينة ورضا:

— «الحمد لله على عطاياه، له الشكر على ما قَسَم».

مرت الأعوام وتقلّبت الأيام، وكبر الأولاد والبنات، وتزوجوا وخرج كلٌّ إلى بيته وحياته. كبرت زوجة عيسى حتى أنهكها العمر، وكبرت زوجة فهد كذلك، ولم تعد لهما طاقة على العمل وخدمة المنزل.

وذات صباح، مرّ فهد على دار صديقه القديم، فإذا بعيسى جالس أمام بيته، ضعيف الجسد، رثّ الثياب، تنوء تقاسيم وجهه بأعباء الزمن. فقال له فهد متعجبًا:

— «ما بك يا صديقي؟ أراك هزيلًا بائسًا؟»

قال عيسى بصوت متهدّج: «كبرتُ ووهنتُ، ولم أعد أستطيع العمل، وزوجتي لا طاقة لها بشيء، وأولادي الثلاثة قد تزوجوا ورحلوا إلى بيوتهم، فلا من يطعمنا، ولا من يغسل لنا ثوبًا، إلا ما يجود به أهل البر والإحسان».

ابتسم فهد في هدوء وقال:

— «أما أنا فبناتي الثلاث لم يتركنني يومًا:

كبرتُ وكبرن، وتزوجن، لكنهن ما زلن يرين فيّ أباهم الذي يحتاج الحنان.

ابنتي الكبرى تأتي كل صباح، تحمل فطورنا وتغسل ثيابنا وتغسل أجسادنا.

وابنتي الوسطى تزورنا عند الظهيرة، تأتي بغدائنا، تكوي ملابسنا وتجلس معنا حتى تنشرح صدورنا.

أما الصغرى، فتأتينا ليلًا، تحمل عشائنا، تطعمنا وتغسل أوانينا وتفرش لنا أغطيتنا وتدثرنا بحنانها».

ثم التفت إلى عيسى وقال بابتسامة ملؤها العِبَر:

— «فيا صاحبي، هكذا هو الحال... أبو البنات ينام متعشّي، وأبو الأولاد ينام مقوّي (جيعان)».

فالأولاد قد يبتعدون بمرور الأيام، أما البنات فيبقين قريبات القلوب، وفيهن الحنان الذي لا يشيخ، والوفاء الذي لا يذبل.

 

 

"  لا تقرأ و ترحل  "

ضع بصمتك..وشاركنا برأيك...